حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

51

التمييز

وإن سكت سلم ، وإذا عرضت له فتنة اعتصم باللّه » ، وفي حكمة دواد عليه السلام : على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه ، مالكا للسانه ، مقبلا على شأنه ، علم أنّ خطر الدّنيا يسير فحصّل زادا للمسير ، عرف نفسه وقنع بما رزقه ربه ، والحكمة رأس الأخلاق الحسنة . قال لقمان : أفضل ما أعطي العبد في الدّنيا الحكمة وفي الآخرة الرحمة . والعقل يمنع الإنسان مما يميل إليه من الهوى كعقال الناقة يمنعها من الشرود ، ولهذا يقال : العاقل من عقله عقله عن كل مذموم . وقيل : اشتق من المعقل وهو الملجأ فكأنّ الإنسان يلتجئ إليه في أحواله ، وأكثر المعاني مشتركة / 8 ب / في الاشتقاق . وقيل في تعريف الحكمة : إنّها من أحكمه عن كذا ، إذا منعه ، وإنّما سمّي الحاكم حاكما لمنعه التعدي . والحكمة تمنع صاحبها عن النقائص ، وهي استكمال النفس الإنسانيّة باقتباس النظريّات ، وكسب الملكة التّامة ، والمداومة على الأفعال الفاضلة بقدر الطاقة البشريّة والعلم بالأشياء كما هي والعمل به . وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه : أكمل العقل اتّباع رضوان اللّه واجتناب سخط اللّه . وقال حكيم : العاقل فطن متغافل يحسن أمر دينه ودنياه ، شكر اللّه على نعمائه وصبر على بلائه وأخلص في أعماله وصدق في أقواله ، والتجأ إلى اللّه في أحواله ، أظهر عفافه وأغناه كفافه ، تودّد إلى النّاس وغضّ عن الباس ، قبل النصيحة وخشي الفضيحة ، واستعمل الرفق في أموره مستصحبا القناعة ، مستقبحا الإضاعة ملازما للسنة والجماعة ، قبل الأمر بالسمع والطّاعة ، إن عاش فعلى السنة ، وإن مات فإلى الجنّة ، هذا هو الكيّس الرئيس صاحب العقل النفيس . وجاء في الحديث : « إن للّه خواصا يسكنهم الرفيع من الجنان في أعلى عليين كانوا أعقل الناس . قيل يا رسول اللّه : كيف كانوا أعقل الناس ؟ . قال : كان همهم المسابقة إلى اللّه والمسارعة إلى ما يرضيه زهدوا في الدنيا . وفي رئاستها / 9 أ / ونعيمها فهانت عليهم ، صبروا قليلا فاستراحوا طويلا » ، وفي تفسير قوله تعالى : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا « 1 » أي عاقلا « 2 » .

--> ( 1 ) سورة يس : آية ( 70 ) . ( 2 ) تفسير القرطبي ، سورة يس 15 / 55 .